فخر الدين الرازي

7

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الْعالَمِينَ [ المطففين : 4 ، 6 ] وقوله : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ ص : 67 ، 68 ] ولأن هذا اليوم أعظم الأشياء لأن ذلك منتهى فزع الخلق وخوفهم منه فكان تخصيص اسم العظيم به لائقا والقول الثاني : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ [ الواقعة : 77 ] واحتج القائلون بهذا الوجه بأمرين الأول : أن النبأ العظيم هو الذي كانوا يختلفون فيه وذلك هو القرآن لأن بعضهم جعله سحرا وبعضهم شعرا ، وبعضهم قال إنه أساطير الأولين ، فأما البعث ونبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فقد كانوا متفقين على إنكارهما وهذا ضعيف ، لأنا بينا أن الاختلاف كان حاصلا في البعث الثاني : أن النبأ اسم الخبر لا اسم المخبر عنه فتفسير النبأ بالقرآن أولى من تفسيره بالبعث أو النبوة ، لأن ذلك في نفسه ليس بنبأ بل منبأ عنه ، ويقوى ذلك أن القرآن سمي ذكرا وتذكرة وذكرى وهداية وحديثا ، فكان اسم النبأ به أليق منه بالبعث والنبوة والجواب : عنه أنه إذا كان اسم النبأ أليق بهذه الألفاظ فاسم العظيم أليق بالقيامة وبالنبوة لأنه لا عظمة في الألفاظ إنما العظمة في المعاني ، وللأولين أن يقولوا إنها عظيمة أيضا في الفصاحة والاحتواء على العلوم الكثيرة ، ويمكن أن يجاب أن العظيم حقيقة في الأجسام مجاز في غيرها وإذا ثبت التعارض بقي ما ذكرنا من الدلائل سليما القول الثالث : أن النبأ العظيم هو نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، قالوا وذلك لأنه لما بعث الرسول عليه الصلاة والسلام جعلوا يتساءلون بينهم ما ذا الذي حدث ؟ فأنزل اللّه تعالى : عَمَّ يَتَساءَلُونَ وذلك لأنهم عجبوا من إرسال اللّه محمدا عليه الصلاة والسلام إليهم كما قال تعالى : بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ [ ق : 2 ] وعجبوا أيضا أن جاءهم بالتوحيد كما قال : أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ ص : 5 ] فحكى اللّه تعالى عنهم مساءلة بعضهم بعضا على سبيل التعجب بقوله : عَمَّ يَتَساءَلُونَ . المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه أحدها : وهو قول البصريين أن قوله : عَمَّ يَتَساءَلُونَ كلام تام ، ثم قال : عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ والتقدير : يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ إلا أنه حذف يتساءلون في الآية الثانية ، لأن حصوله في الآية الأولى يدل عليه وثانيها : أن يكون قوله : عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ استفهاما متصلا بما قبله ، والتقدير : عم يتساءلون أعن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ، إلا أنه اقتصر على ما قبله من الاستفهام إذ هو متصل به ، وكالترجمة والبيان له كما قرئ في قوله : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * [ الصافات : 16 ] بكسر الألف من غير استفهام لأن إنكارهم إنما كان للبعث ، ولكنه لما ظهر الاستفهام في أول الكلام اقتصر عليه ، فكذا هاهنا وثالثها : وهو اختيار الكوفيين أن الآية الثانية متصلة بالأولى على تقدير ، لأي شيء يتساءلون عن النبأ العظيم ، وعم كأنها في المعنى لأي شيء ، وهذا قول الفراء . [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 4 إلى 5 ] كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ( 4 ) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ( 5 ) قال القفال : كلا لفظة وضعت لرد شيء قد تقدم ، هذا هو الأظهر منها في الكلام ، والمعنى ليس الأمر كما يقوله هؤلاء في النبأ العظيم إنه باطل أو إنه لا يكون ، وقال قائلون كلا معناه حقا ، ثم إنه تعالى قرر ذلك الردع والتهديد ، فقال : كَلَّا سَيَعْلَمُونَ وهو وعيد لهم بأنهم سوف يعلمون أن ما يتساءلون عنه ويضحكون منه حق لا دافع له ، واقع لا ريب فيه ، وأما تكرير الردع ، ففيه وجهان الأول : أن الغرض من التكرير التأكيد